السيد عبد الأعلى السبزواري

314

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

بني إسرائيل . وليس ذلك إلّا من الاستهزاء بأحكام اللّه تعالى ، والإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر ، فإنه لو كان كذلك فلم يقتل بعضكم بعضا ويخرج بعضكم الآخر من دياره وهو محرّم عليهم في دينهم ، وقد نهاهم اللّه تعالى عن ذلك كما ذكره تعالى . قوله تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . توبيخ وتأنيب أي : أنّكم إذا كنتم مؤمنين فما بالكم تؤمنون ببعض الكتاب وهو فداء الأسرى ، وتكفرون ببعض وهو حرمة القتل ، وإخراج أهل الديار من ديارهم . وفداء الأسير حسن لا ريب في محبوبيته بشرط أن لا يكون الفادي هو السبب في أسره ، وإلّا كان تبعيضا في الإيمان ، وكفرا بأحكام اللّه ، ولذا توعّد سبحانه على من كان كذلك بالخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة . والتعبير بالكفر إشارة إلى استهزائهم بحكم اللّه وجحودهم له ، وإلّا فإن مجرد ترك العمل ببعض الأحكام لا يوجب الكفر وإن أوجب الفسق . قوله تعالى : فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ . الخزي هو العذاب والهوان . قال تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [ سورة آل عمران ، الآية : 192 ] والتعبير بالرد إشارة إلى أن مسيرهم في المبدأ والمنتهى واحد ، من العذاب إلى العذاب . قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . لا تخفى عليه خافية فقد أعد لكل عمل جزاءه ، وقد تقدم معنى ذلك ، وفيه زجر شديد لهم ، وفي مثل هذه الآيات تسلية لنبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) عمّا كان يلقاه من اليهود ، وارشاد لأمته إلى نبذ ما فعله اليهود وإلّا أصابهم ما أصاب اليهود . قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ . بيان لقبح أفعالهم ، وقبحهم في تبديل الحياة الأبدية الشريفة بالحياة الزائلة الخسيسة بتركهم أحكام اللّه تعالى ، واستهزائهم بآياته وفسقهم ، ومثل هذا التبديل مما حكم العقل بقبحه ، وأجمعت الشرايع الإلهية على التنديد به ، قال تعالى في شأن الآخرة : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [ سورة العنكبوت ، الآية :